الجاحظ

76

العثمانية

حدثت ، وبلايا نزلت في زمن أبى بكر وأيام وفاة النبي صلى الله عليه ، من حلال وحرام أو سياسة جند أو سد ثغر أو تدبير حرب ، أو استصلاح عوام ، أو ترتيب خواص ، فظهر فيه من رأى على وصوابه وحسن نظره وإرشاده مالم يظهر من أبى بكر - فقد أفلح من زعم أن عليا كان أفقه منه فقها ، وأصوب رأيا ، وأشد للأمور احتمالا ! مع أنا قد نجد عنده من دقائق الفتيا وغامضه وعويصه ( 1 ) ما لم يبتل به أحد ولا يبتلى به أحد أبدا . ولعل ذلك لا يصاب عند الامام إلا في جملة الأمور وأصولها ، ثم لو دهم الناس عدو ، أو حزبهم أمر ، أو أعضل بهم ملم من فاتق يختطب الملك بتأويل قد زخرفه ، ومن انتشار ( 2 ) جند أو اضطراب عوام ، أو بدعة شاملة ، لم يكن عنده من الغناء والاحتمال والمعرفة بعلاج أدوائها والتأتي لاستصلاحها قليل وكثير . وإنما مدار الأمور على أصالة الرأي ، واتساع الصدر ، وقوة العزم . فإن كنا لم نجد لعلى مما ذكرنا شيئا يفضل به أبا بكر في ذلك الدهر فإنا نستدل على صواب رأيه واتساع صدره ، وأنه كان المفزع والمرشد بعد رسول الله في المعضلات وعند الشبهات والحادثات ، والناس في ذلك الدهر بين مستمع مرشد وبين مستمع مسلم ، وبين مطرق واجم وبين خائض قد رنحه ( 3 ) الحادثات ، واستبهم عليه وجه الصواب ، كالذي كان من المسلمين لما اصطلحوا على القضية يوم الحديبية ، لأنهم لما صاروا إلى الكتاب وتراضى النبي صلى الله عليه وسلم وسهيل بن عمرو

--> ( 1 ) أي غامض ذلك وعويصه . ( 2 ) أن تفرقهم وخروجهم على القواد ، وأصله في الإبل والغنم أن تتفرق عن عزة من راعيها . في الأصل : " استشار " تحريف ، وانظر ص 65 س 10 . ( 3 ) الكلمة خالية من النقط في الأصل . رنحته : دارت به وميلته .